"طالق ونبقى "... طريقة احتيال عراقية لكسب رواتب غير شرعية

2018/10/31 02:48:03 م    
 طالق ونبقى  ... طريقة احتيال عراقية لكسب رواتب غير شرعية

بغداد / رزاق الياسري

"الطلاق" أكثر مفردة ترتعد فرائص النساء عند سماعها، فهو نهاية مؤلمة للكثير من الأسر وسبب لضياع الأطفال "وهجمان البيت" حسب التعبير المحلي، لكنه بات أحدث طرق الاحتيال من اجل الكسب غير المشروع في العراق.

بغض النظر عن تبعات الطلاق الكثيرة والمعروفة، لا يمكن سماع شيء آخر مفيد له، لا فرحة ولا ضحك أطفال، وهذا الحال لا يروق لمعظم البشر إلا في حال كانوا "متطلقين قانونا متزوجين شرعا"، والأمر قد يبدو لأول وهلة مجرد مزحة أو ضرب من الخيال، لكنه واقع بات يحصل يوميا في العراق وتم كشف مئات الحالات على غراره.

في المحاكم المنتشرة ببغداد والمحافظات، تقف يوميا طوابير طويلة من الازواج طلبا للطلاق، لا بسبب المشاكل أو الوصول الى طريق مغلقة في الحياة الزوجية، وإنما طمعا باستحصال أموال يتيحها القانون. فهم في واقع الحال يتطلقون على الورق لكنهم يبقون أزواجا من الناحية الشرعية ويجمعهم سقف واحد!

وزارة العمل والشؤون الاجتماعية كشفت عن رصدها مئات المطلقات يتقاضين رواتب شبكة الحماية الاجتماعية، بعد اجرائهن الطلاق في المحاكم دون الانفصال عن ازواجهن على ارض الواقع، وهو ما يعرف بالطلاق الصوري او الشكلي.

ويقول المتحدث باسم الوزارة عمار منعم، في حديث لـ(نيو نيوز) ان "فرق وزارة العمل والشؤون الاجتماعية رصدت الكثير من المطلقات اللواتي يتقاضين رواتب من شبكة الحماية الاجتماعية، ولم ينفصلن عن ازواجهن، بعد طلاق الطرفين بالمحاكم المختصة، اذ ان الطلاق كان صوريا من اجل الاستفادة من رواتب الحماية التي تضم شرائح الارامل والمطلقات وحالات الفقر ".

بدوره يؤكد الخبير القانوني علي التميمي ان "الطلاق الصوري يعتبر تزويرا وتحايلا على مؤسسات الدولة الحكومية، لاسيما بعد تقاضي المطلقات رواتب من وزارة العمل بذريعة طلاقهن فعلا".

ويضيف التميمي في حديث لـ(نيو نيوز) ان "القانون العراقي يتضمن عقوبات تطول من يثبت تورطه بالتزوير"، مشددا على ان "لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية الحق القانوني باسترجاع جميع الاموال التي منحتها للمطلقات بعد طلاقهن الصوري ".

ودعا الخبير القانوني الى "ضرورة تشكيل لجنة مشتركة بين وزارة العمل والمحاكم ومجلس القضاء الاعلى من اجل تدقيق جميع حالات الطلاق التي ترد الى المحاكم العراقية، ومطابقتها على ارض الواقع لكشف المتلاعبين بأموال الدولة والمتقاضين لحقوق بعيدة عن استحقاقهم"، معتبرا ان "الطلاق الصوري يرتب اثارا سلبية على الازواج من ناحية الحقوق التي كفلها القانون للأزواج بعد طلاقهم، كالحرمان من النفقات والواجبات التي تترتب على المطلق ايفائها “.

وفي السياق ذاته، يرى رجل الدين احمد الشمري ان "الطلاق الصوري قضية جدلية، لا بد من أن يتم طرحها على المراجع الدينية لإصدار فتاوى شاملة وجامعة حولها، لحسم الجدل في شأنها.

ويبين الشمري في حديثه لـ(نيو نيوز) ان " الطلاق الصوري تسوده شبهات شرعية، بدليل أن الغالبية العظمى من أبناء الأمة الإسلامية يرفضونه، لما فيه من التحايل والخداع، بغض النظر عن كون هذا الطلاق يقع أو لا يقع من الناحية الشرعية".

وشدد رجل الدين على "ضرورة معاقبة الخارجين على إجماع الأمة، التي يجب أن تتصف كل تعاملاتها بالصدق والشفافية، بعيداً من التلاعب والبحث عن ثغرات لتحقيق مصالح شخصية".

وعن التفسير الاجتماعي لهذه القضية الجدلية، يرى الباحث الاجتماعي صفاء العبادي أن "تراجع التنشئة الدينية الصحيحة أساس كل الفساد في المجتمع"، مشيرا الى ان "الامر وصل إلى الأعراض وليس الأموال فقط، حيث يرضى بعض الأزواج والزوجات العيش معاً في الحرام، بعدما لجأوا الى الطلاق الورقي أو الصوري فقط".

ويضيف العبادي لـ(نيو نيوز) ان “السلبية المجتمعية تشجع على الفساد في المجتمع، حتى يصل الأمر إلى أن يكون الرجل مطلقاً زوجته في المحاكم ويعيش معها في بيت الزوجية وكأن شيئاً لم يكن، الامر الذي يشجع  الآخرين على تقليده طالما نال من مخالفته ".

وينهي العبادي حديثه بالقول ان "الإصلاح الحقيقي لأي خلل في المجتمع يبدأ من الأسرة، التي يجب أن تعلّم أبناءها وبناتها التمييز بين الحلال والحرام منذ الصغر، فينشأ الصغير على خشية الله في السر قبل العلن، وبالتالي يكون منضبطاً بالضوابط الشرعية في الحلال والحرام في حياته كلها، وليس باحثاً عن ثغرة قانونية يحقق بها مصالح شخصية محرّمة شرعاً وقانوناً ".

يذكر ان مجلس القضاء الأعلى اعلن عن ارتفاع كبير نسبة الطلاق في عموم  البلاد، كاشفا عن تسجيل (970097) حالة طلاق خلال العام الماضي، حيث حلت العاصمة بغداد في المرتبة الأولى مقارنة ببقية المحافظات بتسجيل (27481) حالة ، منها (15242) حالة طلاق في جانب الرصافة، و(12239) حالة في الكرخ. ويؤكد مجلس القضاء ان المحاكم تسجل تزايدا في حالات الطلاق، لا سيما خلال العامين الماضيين.