مئات المراقد المزيفة: رأوا في المنام فتحقق حلم الثراء

2018/11/10 02:52:13 م    
مئات المراقد المزيفة: رأوا في المنام فتحقق حلم الثراء

نيونيوز/ سارة المحمدي

"هذه ليست مراقد مقدسة ولا اضرحة مباركة. هذه دكاكين ومشاريع مربحة للجاه والمال والسطوة، لا علاقة لها بآل البيت اختلقها ضعاف النفوس، مستغلين جهل الناس وقلة حيلتهم".

هكذا بدأ محمد الصالحي وهو رجل دين حديثه لـ(نيونيوز) عن ظاهرة انتشار "المراقد المزيفة" في وسط وجنوب العراق.

فعلى امتداد محافظات بابل والديوانية وواسط، تنتشر مئات القبور والأضرحة والمقامات التي تنتسب اغلبها الى آل البيت والى صحابة وصالحين، ويعود تاريخ بعضها الى مئات السنين، فيما يعود تاريخ بعضها الآخر الى نحو ألف عام.

لكنّ الملفت بعد عام 2003 هو ظهور المئات من هذه "الاضرحة المزيفة"، لتتحول الى مزارات يقصدها الناس للتبرك وطلب "المراد"، وتقديم النذور والهدايا.

وبحسب عباس شمس الدين، مؤلف كتاب (معجم موجز للمراقد المزيفة في العراق)، فإن عدد المراقد المنسوبة الى ال البيت والانبياء والاوصياء في العراق وصل الى 600 ومرقدا ومقاما.

ويقول الصالحي ان "كل القبور التي ظهرت بعد العام 2003 مزيفة ولا صحة لها، والهدف من افتعالها هو كسب الثروة، ولا شيء غير الثروة، إذ تدرّهذه المراقد أموالا طائلة من خلال الهدايا والنذور فضلا عن المحال التجارية والمطاعم التي تفتح قرب المرقد وجواره، خاصة وان مئات الالاف من الناس تزور هذه المراقد من داخل العراق وخارجه".

 وتنسب اغلب هذه المراقد الجديدة الى سلالة الامام موسى بن جعفر الكاظم، الذي ينحدر من صلبه 37 ولدا وبنتاً. وشهدت محافظة بابل، بعد العام 2003، ظهور ثلاثة مراقد منسوبة الى أبناء الامام الكاظم، بالإضافة الى مرقد ينسب الى احدى بنات الامام الحسن بن علي.

كما شهدت محافظات أخرى كديالى وواسط ظهور 14 مرقدا لبنات الامام الحسن، لكنها تحمل أسماء باتت مثار استغراب الكثيرين كـ (سميچة بنت الحسن)، و(لطيفة بنت الحسن)، و(فرزين بنت الحسن)، و(فخرية بنت الحسن)، و (فاطمة بين الحسن) و (رقية بنت الحسن)، و(شريفة بنت الحسن).

وكان المرجع الديني محمد اليعقوبي حذر، في بيان له أصدره مطلع 2013، من ظاهرة وجود وانتشار المزارات المنسوبة إلى أولاد الأئمة من دون التحقيق في صحة نسبتها إليهم.

وقال المرجع اليعقوبي ان "كثيراً من هذه المراقد وهمية صنعها بعض ذوي النفوس المريضة ليجمعوا بها الأموال من السذّج والجهلة ويروون لهم كرامات مفتعلة".

ويقول مدير اعلام وعلاقات المزارات الشيعية في العراق لؤي عبدالكريم جاسم، في تصريح خاص لـ(نيونيوز)، "هناك مزارات واضرحة لم نسمع بها". وأوضح ان "اي مزار ينضم الى مديرية المزارات، يخضع الى إجراءات روتينية، ويتم التحقق من النسب برئاسة النساب المختص عباس الدجيلي".

وتابع المسؤول في المزارات الشيعية "يجب ان يصدر من الجهات المختصة بالأنساب تأييد نسب للمزار الجديد كي يتسنى لنا تسجيله"، لافتا الى ان "الارض التابعة للمزار تكون باسم الوقف الشيعي والامانة العامة للمزارات.. ويلحق ذلك قرار من رئيس الوقف الشيعي والامين العام المزارات الشيعية ونائب الامين العام وستة من اعضاء مجلس الإدارة".

وحول قانونية المراقد الحديثة، يقول رئيس لجنة الشعائر في بابل طالب عبيد نصار، "قانونيا لايحق لاي شخص تبنّي اسم مرقد ونسبه الى اهل البيت من اجل المنافع الشخصية".

وأضاف نصار في حديث مع (نيونيوز) "لا توجد اي جهة سياسية وراء هذه المزارات، مجرد شخص يستفيد من الناس البسطاء فكريا وعقائديا، كونهم يدفعون المال والهدايا والنذورات لصاحب المرقد"، مشددا بالقول "يجب محاسبتهم للحد من انتشار هذه الظاهر".

وحول انتشار ظاهرة المراقد المختلقة والمزيفة، تقول الباحثة الاجتماعية ندى العابدي ان "أسباب انتشار الاضرحة المزيفة واقبال الناس عليها يعود بالأساس الى قلة الوعي والجهل".

وأضافت العابدي في لقاء مع (نيونيوز) ان "الاعتقاد بهذه الاضرحة (المزيفة) يدل على فراغ فكري وثقافي وعلمي كبير، والقائمون على هذه المراقد يعملون على أدلجة وتوجيه عواطف الناس نحو الخرافة".

وتؤكد الباحثة الاجتماعية ان "القضية اصبحت تجارة محلية بغياب الرادع القانوني".

وبشأن الحلول الممكنة للحد من الاقبال على المراقد المزيفة، ترى العابدي ان "المنظومة التربوية يجب ان تلعب دورا محوريا للحدّ من تفاقم هذه الافكار العقائدية الخاطئة"، معتبرة ان "هذه الظاهرة تشمل الطبقة الفقيرة من الناس والبسيطة فكريا".

من جهته يرى مدير الوقف الشيعي في بابل احمد العبيدي أن "حب الجاه والمنفعة المالية هما من أهم الأسباب الرئيسة للإعلان عن ظهور مراقد جديدة من قبل البعض".

ويقول العبيدي أن "الاحلام والرؤية التي يتكلم بها هؤلاء بعيدة عن عقائد الاسلام ومذهب اهل البيت الذي يطالب بإتباع العقل في مثل هذه الحالات".

ويوضح المسؤول في ديوان الوقف الشيعي أن "حالات الاعلان عن مراقد تكررت في قضاء القاسم ثلاث مرات وفي قضاء المحاويل وفي مناطق اخرى من محافظة بابل".

وكشف الوقف الشيعي انه "أغلق ثلاثة مراقد كان آخرها في غاية الشهرة داخل المحافظة وهو مرقد احمد بن فليته في منطقة الظاهرية، وثبت للقضاء أن المسألة هي مجرد دجل وشعوذة، من قبل شخص صدر عليه قرار بسجنه لستة أشهر".

ويشدد العبيدي على ان "الوقف الشيعي لديه ثوابت تقول ان القبور لا يمكن التثبت منها عن طريق الرؤيا بل يجب وجود ادلة مادية وحسية تثبت من خلالها أن القبر يعود الى الشخصية الفلانية".

ويؤكد مسؤول الوقف الشيعي بان "المراقد المعروفة في العراق لم تكتشف عن طريق الرؤيا بل عن طريق الأدلة ونقل المعرفة من شخص إلى آخر عبر التاريخ".