حسن العطار:وا أسفآه على العراق شفت صحيفة كويتية الأسبوع ال

2018/09/22 03:00:00 م    
حسن العطار:وا أسفآه على العراق
شفت صحيفة كويتية الأسبوع ال

وا أسفآه على العراق

شفت صحيفة كويتية الأسبوع الماضي عن لقاء سري جمع بين قائد فيلق القدس الإيراني "قاسم سليماني" ومبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون العراقية "روبريت ماكجورك" بهدف الاتفاق على حل لتشكيل الحكومة العراقية المتعثر، ووقف التصعيد بين الجانبين في العراق. طلب المبعوث الأمريكي من الإيرانيين الإيعاز الى حلفائهم بتجنب مهاجمة المصالح الأمريكية في العراق، لتفادي أي تصعيد قد يخرج عن السيطرة ولا تحمد عقباه. 

وأنه يجب على البلدين أن يضعا خلافاتهما جانبا، ويعملا معا على دعم تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، موضحا أن واشنطن لا تصر على دعم شخصية سياسية محددة لقيادة الحكومة المقبلة، بمن في ذلك رئيس تسيير الأعمال "حيدر العبادي"، لكنها ترى أن الوقت حان لفسح المجال أمام شخصيات جديدة للبروز، وألا تتقيد طهران بحلفائها التقليديين الذين انقطعوا عن الشارع العراقي منذ سنوات طويلة.

في المقابل، قدم "سليماني" وثائق حصلت عليها استخبارات الحرس الثوري قبيل الهجوم على القنصلية الإيرانية في البصرة، وأكد "لماكجورك" أن الإيرانيين كانوا على علم مسبق بـمخطط للاعتداء لذلك أخلوا المقر الدبلوماسي من الموظفين والوثائق، لتجنب أي رد فعل غاضب من جانب أنصار طهران في العراق قد يتسبب في إشعال مواجهة بين العراقيين، وأن الاستخبارات الإيرانية تجري تحقيقات لكشف من يقف خلف الاعتداء. كما نفى "سليماني"ضلوع حلفاء إيران بالهجوم على المنطقة الخضراء التي تضم السفارة الأمريكية، أو توجيه تهديدات للمصالح الأمريكية في بغداد، مؤكدا أن الوثائق التي حصل عليها «الحرس الثوري» تشير إلى أن الذين نفذوا الهجوم على القنصلية الإيرانية هم أنفسهم من دبروا قصف المنطقة المحصنة لجر الجانبين إلى مواجهة مفتعلة.

كما أكد "سليماني" أن على الأمريكيين الانتباه إلى أن العراق بالنسبة لإيران "خط أحمر ومصالح حيوية" ولا يمكن التفريط فيه أو خسارته، معربا عن استعداد بلاده لضمان عدم تهديد المصالح الأمريكية من حلفاء طهران في حال التزام واشنطن عدم المساس بمصالح إيران في جارتها العراق. وبحسب الصحيفة، فإن الجانبين اتفقا على الاحتفاظ بخط اتصال سري من خلال الواسطة التي جمعتهما لتجنب صدامات غير مقصودة مستقبلا بالعراق، وأن يستمر التنسيق بينهما عبر هذا الخط لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، لأن وجود عراق بدون حكومة يعتبر خطرا على الجميع. اذاصحت هذه الاخبار، فهي البداية لفصل العراق عن محيطه وعمقه العربيين. 

منذ الانسحاب الأمريكي من العراق، بات العراق دولة ليست بالمحتلة ولا بالمستقلة، وإنما في حالة ما يشبه التيه السياسي. فقد أخفقت محاولات بناء دولة ديمقراطية، وبلد آمن ومستقر، واستمرت أعمال العنف من دون أمل في نهاية لها، وشهدت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية تدهورا غير مسبوق، كل ذلك بسبب النعرات الطائفية والقومية والإثنية والفساد وسوء استغلال الموارد الاقتصادية للبلاد. كما أثبتت القوى السياسية العراقية أنها كيانات غير ديمقراطية، مارست العنف بكل أنواعه ضد بعضها البعض، ولا ترى في اللعبة الديمقراطية سوى التزام مؤقت وسلم ترقى به إلى السلطة، لذلك حافظت على أجنحتها العسكرية لاستخدامها في الوقت المناسب. 

والقوى التي لم يكن لديها أجنحة عسكرية منذ تأسيسيها، عملت خلال السنوات الماضية بطرق خفية على إنشاء هذه الأجنحة بمساعدة بعض دول الجوار العربي والإقليمي. والأدهى من هذا، أن جميع القوى السياسية لديها رجالها داخل الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية، وهؤلاء بلا شك يعملون حسب توجيهات قواهم السياسية في التأثير في أداء أجهزة الدولة لخدمة مصالحهم. كما أن هذه القوى بلا استثناء مرتبطة بقوى خارجية إقليمية ودولية تتخذ من العراق ساحة للصراع فيما بينها، ويعملون على تنفيذ أجنداتهم السياسية التي ليست بالضرورة تخدم مصالح الشعب العراقي.

منذ العام 2003م تراوح الوضع في العراق بين التجاذب والتناغم الأميركي – الإيراني، ولم يسهم ذلك في إعادة بناء الدولة واسترداد السيادة. ويمكن ربط المأزق السياسي الحالي في العراق والغضب الشعبي الذي برز في انتفاضة البصرة وغيرها من المدن بالعديد من العوامل، على رأسها تصعيد إدارة الرئيس الأميركي تهديداته ضد النظام الإيراني وحالة التوتر القائمة بين البلدين. واضح أن اللعبة أفلتت من أيدي العراقيين، وأن الطبقة السياسية أضاعت فرصة استرجاع العراق من أيدي اللاعبين الخارجيين على رغم الاحتكام مرات عدة إلى صناديق الاقتراع، وأن منطق الدولة المستقلة واستعادة الهوية الوطنية العراقية لا يزالا غائبين عن عقول وقلوب السياسيين العراقيين. ولا يبدو ان الأطراف المتنازعة على السلطة حاليا لديها خيار سوى العودة الى نظام المحاصصة والتوافقية المعمول به منذ العام 2003م، وبهذا يبقى التوازن على تبعية العراق والانتقاص من سيادته موزعا بالتساوي بين أمريكا وإيران والى حد ما تركيا وبعض الدول العربية. 

وا أسفآه على العراق، مهد الحضارات الإنسانية وملتقى الديانات السماوية، اصبح اليوم العوبة تعبث به أمريكا وإيران وبعض الدول الإقليمية بمساعدة وتواطئ فئة من ابناءه لأسباب سياسية وقومية ومذهبية ومصالح شخصية، في ظل صمت عربي مطبق. تحول العراق من دولة رائدة كان لها ثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي والعلمي في العالم العربي الى دولة تابعة لعدة دولغربية واقليمية. لا يظن البعض أنى مؤيدا لنظام الحكم السابق، فذاك نظام كانت له مساوئه التي لا ينكرها احد، ولكن من خلفوه في الحكم منذ العام 2003م حتى اليوم لم يكونوا اقل سوءا، بل ربما اكثر سوءا وفسادا منه.

نقلا عن ايلاف