خالد القشطيني:دنيا الترجمة والمترجمين  

2018/09/25 03:38:43 م    
خالد القشطيني:دنيا الترجمة والمترجمين
 

دنيا الترجمة والمترجمين

 

صدق من قال إن أسبوعاً في دنيا السياسة مدة طويلة. فعالمنا هذا عالم سريع في تغيره وتحوله. وفي هذا المجال، أصبح أعلم الناس بها معرضاً للخطأ وسوء التقدير وخراب البيت والأوطان. وهذا ما وقع به مؤسسو المجموعة الأوروبية عندما وقعوا على اتفاقية روما عام 1957، كانوا عندئذ ستة رجال يمثلون ست دول ويتكلمون أربع لغات فقط. لم يحسبوا أن المجموعة ستتوسع وتصبح 28 دولة تتكلم عشر لغات أو أكثر.
وقعوا على الاتفاقية ونصوا فيها على أن تجري جميع مداولات المجموعة وتكتب جميع مداولاتها وجميع وثائقها ومطبوعاتها بجميع لغات الدول الأعضاء. كانت المسألة سهلة عندما انحصر الموضوع باللغات المؤسسة الأربع، الإيطالية والفرنسية والألمانية والهولندية. ولكن سرعان ما انضمت لهم بريطانيا وإسبانيا والبرتغال والدنمارك والنرويج واليونان وبولندا والمجر والنمسا. وهناك طلبات انتماء حتى من تركيا وأرمينيا... الخ.
لكل واحدة من هذه الدول لغتها القومية التي تنص الاتفاقية على اعتبارها لغة رسمية للمنظمة. وهذا سيعني أن على ميركل أن تفهم كل هذه اللغات. وفرض هذا على إدارة المجموعة الأوروبية أن تقوم بترجمة كل ما يقوله أي عضو إلى كل لغات الأعضاء. وجعل هذا قسم الترجمة أكبر قسم في إدارة المجموعة. والمتوقع أن يتجاوز عدد المترجمين عدد جميع الموظفين والعاملين في الإدارة.
تسعى بريطانيا الآن للخروج من هذه المجموعة أو الاتحاد، ولا أدري إن كان ذلك يعود إلى كثرة المترجمين فيها. فقد سبق للإنجليز أن أعربوا عن استيائهم من بيروقراطية المجموعة وضخامة ميزانيتها. وقد فكر الآيرلنديون في مطالبة الإدارة بإضافة لغتهم الغاليكية إلى قائمة اللغات المطلوبة. ولكنهم نفضوا أيديهم من المشروع. ولا أدري إن كان ذلك حرصاً على النفقات أو تفادياً لقراءة النصوص بهذه اللغة المنقرضة.
وبالطبع ترتب على هذا النشاط في مجال الترجمة أخطبوطيات من الأجهزة والمكاتب والمعدات. ومما ضاعف من حجم هذا العالم الورقي أن لكل مكاتب بروكسل مثيلها في لكسمبورغ، فالمترجون قوم كسالى يعز عليهم ركوب القطار بين المدينتين والاطلاع على ما يلزم ويدركوا ماذا تعني كلمة «انتفاضة» باللغات الفلمنكية والبرتكوشية والغاليكية.
وقد عززوا في السنوات الأخيرة هذه المكاتب بعشرة أجهزة إلكترونية معقدة تساعد المترجمين في أعمالهم. فإعداد هذه الكميات الغفيرة من الترجمات لكل ما يقال في جلسات البرلمان الأوروبي وما تصدر منه وإليه وعنه من وثائق يتطلب جهوداً جبارة. وكما فهمت، حتى الآن لم يستطع قسم الترجمة ملاحقة كل ما يجري من أحداث وما تصدر من وثائق... عندهم دائماً تأخير في العمل بعدة أسابيع. وهذا ما يعني أن ما يقوله المندوب الفرنسي مثلاً لا يصبح في يد المندوب البرتغالي بلغته الخاصة إلا بعد عدة أسابيع. وفي أثناء ذلك يكون المندوب الفرنسي قد غير رأيه وقال شيئا مختلفاً. ويؤدي ذلك إلى كثير من الارتباك. ولكن المندوبين تأقلموا على ذلك وراحوا يتجاهلون ما صدر من نصوص في لغتهم.

 

نقلا عن الشرق الاوسط